لماذا يجب أن تعتذر لثلاجتك؟؟ مانيفستو العدم في عصر الضجيج
في تمام الثالثة فجراً وجدتني واقفة أمام ثلاجة بيتنا للمرة العاشرة أحدق في رفوفها المكدسة بما لذ وطاب من خيرات أهلي وفجأة اخترق صمتي صوت أمي الذي أتى من بعيد وهي تقول بلهجة يملؤها النعاس يا ابنتي هل تظنين أن سر الوجود مخبأ خلف علبة الجبن تلك فالتفت نحو غرفتها وبقايا الضوء الأزرق من هاتفي تنعكس على وجهي وقلت في نفسي أنا لا أبحث عن طعام يا أمي أنا أبحث عن دليل يثبت أنني ما زلت موجودة خارج إشعارات هاتفي وتحت سقف هذا البيت الهادئ أدركت حينها أنني أعامل هذه الثلاجة كصندوق بريد لرسائل لن تصل أبداً واعتذرت لها في سري وعدت لسريري
هذا الموقف العبثي جعلني أدرك مأساة جيلنا فبينما كان الفلاسفة في القرون الخوالي يتوسدون ظل الأشجار طلبا للتأمل في جوهر الوجود أجدني اليوم أحشر نفسي في غرفتي متسلحة بحاسوبي المحمول وساعتي الذكية التي لا تكف عن تذكيرنا بضجيج نبضي المرتفع وكأنها تؤكد لي أنني في حالة تأهب دائمة والهدف من كل هذا العناء ليس سوى تدوين قائمة مهام طويلة لن أنجز منها في نهاية المطاف سوى شطب جملة كتابة قائمة المهام
لقد شعرت أن كينونتي استحالت من بشر عاقل إلى برمجية قابلة للتحديث المستمر فإذا لم أتقن لغة أعجمية وأمارس طقوس التأمل وأوثق فنجان قهوتي الصباحي في فضاء التواصل وأستمع لنشرات الاستثمار وأنا أنظف أسناني صرت في عرف المجتمع نسخة بائدة تستوجب إعادة الهيكلة والحقيقة الفلسفية المرة التي واجهتها في تلك الليلة هي ذعري من الفراغ فهل استطعت يوماً أن أجاور نفسي عشر دقائق دون شاشة تؤنس وحشتي دون أن أهرع لفتح ثلاجة أهلي لأرى ما فيها وأنا أدرك يقيناً أن الجوع ليس هو المحرك بل هو الهروب من مواجهة الذات
أيقنت أنني لا أفتح باب الثلاجة بحثاً عن قوت يرم عظامي فأنا في بيت عز وكرم بل بحثاً عن حدث يكسر صمت الوجود الرتيب لقد أدمنت الحركة للهرب من مواجهة نفسي لذا قررت أن أعتذر لتلك الثلاجة المخلصة فقد أرهقتها بآمالي الخائبة وتوقعاتي الساذجة بأن أعثر بين رفوفها على معنى الحياة بينما الحقيقة تكمن في سكون الليل الذي أخشاه
يقول الفيلسوف الألماني نيتشه إن على الإنسان أن يتجاوز ذاته وأنا أقول بعد تلك الليلة يا نيتشه إن إنسان العصر يحتاج فقط أن يتجاوز إشعارات هاتفه إنني أزعم الآن أن الكسل الواعي هو أقصى درجات الحكمة أن أختار بمحض إرادتي السكون المطلق فأراقب ذبابة تحاول اختراق نافذة غرفتي المغلقة وتتساءل عن سر غبائها ثم أكتشف فجأة أنني أشبهها تماماً في محاولاتي المضنية للنجاح ضمن نظام عالمي مغلق وهذه هي يقظتي الحقيقية
الخبر الذي يجمع بين المسرة والأسى هو أن هذا الكون الفسيح بمجراته العظمى لا يعبأ إن نال منشوري هذا عشرة إعجابات أو ألفاً فالنجوم في حقيقتها كرات غازية ملتهبة لا تملك رفاهية الوقت لتقرأ ترهاتي عن سبل الثراء السريع وهذه الحقيقة لم تعد تبعث في نفسي الكآبة بل هي قمة التحرر فإذا كان العالم لن يتوقف عند عثرتي فلماذا أحمل الحياة فوق ما تحتمل ولماذا يقتلني القلق على مستقبلي وأنا ما زلت أعيش في أمان بيت أهلي
في المرة القادمة التي ينهشك فيها الذنب لأنك غير منتج تذكر تجربتي مع الثلاجة وتذكر أن الأشجار لا تملك برامج لإدارة الوقت ومع ذلك تورق وتزهر في أوانها وتذكر أن ثلاجتكم الصبورة تتحمل عبثك بها عشرين مرة في اليوم دون سبب منطقي فاذهب وصالحها ثم استلق على أريكتك وحدق في سقف غرفتك واستمتع بكونك إنساناً لا آلة إنتاج فالحياة ليست سباقاً محموماً نحو النهاية لأن النهاية ببساطة هي القبر فما الداعي لكل هذه العجلة




عظيم جدًا وجدت نفسي بكلماتك